التعريف
ذُكر سابقا أن المنطق قِسمان: قسم تصوري وقسم تصديقي، والمقصود من القسم التصوري هو التعريف، والتعريف أو المُعرِّف هو المعلوم التصوري الذي يوصل إلي مجهول تصوري، أي الأمور التي نعلمها ورتبناها على وجه فأوصلتنا إلى مجهول، هذا المعلوم التصوري الذي أوصلنا إلى مجهول تصوري والمسمى بالتعريف، هو المقصود في القسم الأول من المنطق، والكليات الخمس كانت تمهيدا له. الغرض الأصلي من التعريف هو: بيان حقيقة الشيء، أو تمييزه عن غيره. أي نحاول ذكر حقيقة الشيء، فإن عجزنا عن ذكر ما هو، نُميِّزه عن غيره، أي لماذا ليس هو، فإذا ذكرنا وعرفنا حقيقة الشيء فنحن ميَّزناه عن غيره، أي بذكر البيان حصل التمييز. لكن قد نعجز عن الأولى فنأخذ الثانية أي نُميِّزه عن غيره.
أقسامه
الحد
بيان حقيقة الشيء، أي بِما الشيء هو هو. البيان هنا بالذاتيات، المُميِّز إذا كان جزءًا ذاتيًا فهو فصل، فالحد يكون بالفصل، مدار معرفة الحد.
الرسم
تمييز الشيء عن غيره. وهنا بالعرضيات، الرسم يكون بالخاصة. الحد الفاصل بين الحد و الرسم هو [المُميِّز]، في حال كان جزءًا ذاتيًا فهو الفصل، وإن كان خارجيا عرضيا فهو الرسم ويذكر فيه الخاصة. إذا جُمع بين الفصل والخاصة فالعبرةُ بالفصل لأنه أقوى، لأنه ذاتيٌ ومُميِّز فسيكون حدًا، وذكر الخاصة يكون مهملًا، سيكون له فائدة وهي زيادة توضيح. مدارُ الحد والرسم على المُميِّز.
الحد والرسم كلاهما قد يكونان تامين أو قد يكونان ناقصين، فالتام مداره على ذكر الجنس القريب، والناقص على عدم ذكره، أي لا يُذكر الجنس القريب. في الحد إذا ذُكر مع الفصل الجنس القريب فهو حدٌ تامٌ، وإن لم يذكر فهو حد ناقص، ويبقى الجنس البعيد والفصل أو الفصل فقط. أما في الرسم، إذ ذكر مع الخاصة الجنس القريب فهو رسمٌ تامٌ، وإن لم يُذكر فهو ناقص ويبقى الجنس البعيد مع الخاصة أو الخاصة وحدها. والخاصة على قسمين: خاصة بسيطةٌ كالضاحك للإنسان، وخاصة مركبة وهي عرضيات عامة مجموعها يختص بالماهية، كقولنا مثلا مع التنبه على المثال: الخفاش طائرٌ ولود، فالطائر يعمُّ الخفاش وغيره، وكذلك الولود، لكن بجمعهما صار خاصةً. قد يرد استشكال هنا وهو أن الطائر قد يكون نوعًا أو بمثابته أو جنسًا للحيوانات. الغرض توضيح المفهوم.
ضوابطه وقواعده
-
يجب أن يكون جامعًا / منعكسًا، و مانعًا / مُطَّردًا، أجلى من المعرَّف في المفهوم ومساويًا له في الصدق -
وقد لا يُذكر في الصدق-. معنى كونه جامعًا: هو أن المعرِّف / التعريف يشملُ جميع أفراد المعرَّف، أي ليس هناك فرد من أفراد المعرَّف لا يصدق عليه المعرِّف. وأما المانع: فهو أن التعريف لا يصدق على شيء غير أفراد المعرَّف. فهنا إذا كان التعريف مساويا، وفي حال كان التعريف أعمَّ من المعرَّف لا يكون مانعًا، وإذا كان أخصَّ من المعرَّف لا يكون جامعًا أي أن هناك أفرادًا للمعرَّف لا يصدُق عليه المعرِّف. المُطَّرد: كل ما صدق عليه المعرِّف صدق عليه المعرَّف، يعني أنه إذا صدق المعرِّف على شيء ولم يصدق عليه المعرَّف لا يكون التعريف مانعًا. فهذا حين كون التعريف أعمًا. أما الانعكاس: فهو كل ما صدق عليه المعرَّف صدق عليه المعرِّف، فإذا كان هناك شيء صدق عليه المعرَّف ولا يصدق عليه المعرِّف معناه أن المعرِّف لا يشمله، أي أن هناك أفرادا للمعرَّف تعريفنا لا يشملهم، أي صار أخصا.الاطراد والانعكاس من صفاتالتعريف
الانعكاس والاطراد نستطيع أن نذكرهما كالتالي: التعريف يجب أن يكون مساويا للمعرَّف. وبالإمكان أن نقول لضبط مفهومي الاطراد والانعكاس: المُطَّرد: كل ما صدق عليه المعرِّف صدق عليه المعرَّف. المنعكس: كل ما لم يصدق عليه المعرِّف لم يصدق عليه المعرَّف. ينبغي أن يُعلم أن الأمر هنا ليس اتفاقيا، فالمتقدمون يرون أن التعريف ليس بالضرورة أن يكون جامعًا ومانعًا، قالوا يَصحُّ أن يكون أعمَّ ولا يكون مانعًا، بل يصح أن يكون أخصَّ، أي لا يكون جامعًا بحسب الغرض، أي شيء يفيد نوع تصور فهو يكفي. لكن هذا التعريف لا يكون تاما سواء كان حد أو رسما، سيكون ناقصا. أما المتأخرون ذهبوا إلى أن الجمع والمنع مأخوذ في التعريف، أي الحد ليكون تعريفا يجب أن يكون جامعًا ومانعًا، يجب أن يُميِّز عن جميع الأغيار، أما عند المتقدمين فالتمييز ولو بوجهٍ ما يكفي، صحيح أن التمييز عن جميع الأغيار يكون في التام، وقد يكون مميزًا عن جميع الأغيار ولا يكون تاما، ولكن المشروط في التام هو التمييز عن جميع الأغيار، والناقص فليس مشروط فيه أن يميز عن جميع الأغيار، ولكن هذا مأخوذ في مطلق التعريف عند المتأخرين. وغير واحد من العلماء المحققين ذهبوا إلى اعتبار مذهب المتقدمين، وقالوا لا بأس به، أي كل ما يفيد تصور شيء ولو بوجه ما، غنيمة وينبغي الاعتداد به، نعم لا يكون تاما ولكن أفاد تصور شيء بوجه من الوجوه، وقد اختاره السيد في حاشيته على شرح الشمسية وفي غير واحد من كتبه. يجب أن يكون جامعًا ومانعًا في التعريف التام، أي في الحد والرسم التام، أما في المطلق فليس مأخوذا ولا مشروطا عند المتقدمين، نعم هذا المذكور في مطلق التعريف مأخوذ عند المتأخرين.
-
التعريف يجب أن يكون أجلى من المعرَّف، ليس فيه خلاف. فالتعريف مفهوم موصلٌ لهذا يجب أن يكون أقربَ إلى ذِهن المُخاطب. كثير من المتأخرين ذهبوا إلى أن التعريف لا يصح أن يكون أخصَّ لأنه أخفى في الذهن. ذكرنا سابقا أنه لا يَصح التعريف بالأعم، ولكن لم لا يصح التعريف بالأخص؟ علل المتأخرون ذلك لأنه أخفى من المعرَّف، فالأعم أقرب إلى الذهن من الأخص. لكن المتقدمون لا يرون هذا، أي يمكن أن يكون أخص وأعرف من وجه، نعم الأمر الأخفى لا يصح التعريف به، ولكن المتقدمون لا يرون لزوم هذا الأمر في الأخص، أي قد يكون الشيء المعرِّف أخص من المعرَّف ولكن لا يكون أخفى منه. ولكن بعض المتأخرين لما رأوه من أن التعريف بالأخص يكون تعريفا بالأخفى، فلا يجوز عندهم هذا. المتقدم يسلم بهذا: التعريف يجب أن يكون أجلى من المعرَّف، ولكن لا يسلم أن التعريف بالأخص دائما يكون تعريفا بالأخفى. لأجل هذا يجوز عنده التعريف بالأخص.
-
التعريف يجب أن يكون مغايرًا للمعرَّف في المفهوم، أي نفس الشيء لا يجوز، أي كلاهما نفس المفهوم فكيف يوصل للثاني، يجب أن يكون بينهما اختلاف ما في المفهوم حتى يوصل وهو ما يكون بالإجمال والتفصيل. الإنسان والحيوان الناطق، الحيوان الناطق هو مفهوم الإنسان، فمفهوم الإنسان ومفهوم الحيوان الناطق واحد، ولكن بينهما مغايرة من حيث الإجمال والتفصيل. أما لو كان مفهومهما واحدا، فهو تعريف لفظي لا حقيقي، مثل قولنا الغضنفر هو الأسد فهذا التعريف لفظي، فهما مفهوم واحد.
-
لا يجوز أن يكون التعريف دوريًا، أي أن تُعرِّف شيئًا بشيءٍ معرفته متوقفة على الأول، مثل أن نقول: ما هو الزمان؟ فنقول: ما يُعدُّ بالساعات، ما هي الساعة؟ فنقول: آلة لتقدير الزمان، فهنا توقفت معرفة الزمان على معرفة الساعة، ومعرفة الساعة توقفت على معرفة الزمان، هذا المقصود بالدوري. القواعد الأربعة أعلاه في مطلق التعريف . القاعدة الأولى غير متفق عليها عند المتقدمين والمتأخرين.
-
إذا كان التعريف حديا فيجب أن يذكر فيه الفصل: التعريف الحدي، أما إن كان رسميا فيجب ذكر الخاصة: التعريف الرسمي.
المتأخرون لِمَا أنهم اشترطوا في مطلق التعريف أن يكون جامعًا ومانعًا، أو إما أن يُفيد حقيقة الشيء أو يُميزه عن جميع الأغيار، الجنس مثلا، لا يميز المعرَّف عن جميع الأغيار لكنه يفيد حقيقة الشيء أي يفيد ذاتيا من ذاتيات الشيء، أما الفصل فهو يميز المعرَّف عن جميع الأغيار وكذلك هو جزء وذاتيٌ من ذاتيات الشيء لذلك هنالك عبرة بالفصل. والخاصة وإن لم تُفد في حقيقية الشيء لكنها تميزها عن جميع الأغيار. أما العرض العام فهو لا يفيد حقيقة الشيء ولا يميز المعرَّف عن جميع الأغيار،لذا لا ينبغي ذكره في الكليات الخمس التي هي مُقدمة لذكر التعريف، هذا على مذهب المتأخرين. لكنهم يذكرون العرض العام لأن الخاصة المركبة هي مجموع العرضيات العامة، لذا فهنا يحتاجون إلى معرفة العرض العام. أما المتقدمون فلا حرج عندهم أن العرض العام لا يكون مميز عن جميع الأغيار، فله العبرة في حد ذاته من دون جعله خاصة مركبة.
المنطقي يقول: ليوصل التعريف / المعلوم إلى مجهول تصوري يجب أن يكون جامعًا مانعًا، وأعرَفَ من المعرَّف، ولا يكون دوريا، ويجب أن يكون مُشتملا على أمر مُختصٍ بالمعرَّف، يُميز المعرَّف عن غيره، ذاتيا أو عرضيا. بعبارة أخرى: يجب أن يكون معلومنا جنسا لذلك المعرَّف حتى يكون معرِّفا له أو فصلا له أو خاصة له حتى يعرِّفنا على ذلك الشيء، أي إذا ظفِرنا بجنس ذلك الشيء وفصله، نستطيع الوصول إليه.